محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

193

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

بسم اللّه الرحمن الرحيم سبحان من لم يجعل الدليل علي أوليائه إلا من حيث جعل الدليل عليه ، ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه . لا دليل على اللّه سواه ، ولا وصول إليه بغيره ، وكذلك أولياؤه . ولمّا كان الوصول إلى اللّه تعالى ، لا يكون إلّا بالعناية والخصوصية ، ويستحيل أن يكون بطلب أو سبب كان أولياؤه المخصصون بالقرب منه ، كذلك لمّا خلع عليهم الخلع العظيمة ، وتولّاهم بمننه الجسيمة ، فاصطفاهم لنفسه ، واختصّهم بمحبته وأنسه ، وطهّر أسرارهم من أنجاس الأغيار ، وصان قلوبهم بما أودع فيها من الأنوار والأسرار ، فكانوا لذلك صفوته في عباده ، وخباياه في بلاده ، كما قال في بعض الإشارات عنه سبحانه : « أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم أحد غيري » وهذا من غيرته عليهم ؛ لأن الحق تعالى أغير على أوليائه من أن يظهرهم إلى من لا يعرفهم ، فلم يجعل لأحد دليلا عليهم إلا من حيث الدليل عليه ، ولم يوصّل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه ، لأنه يلبسهم لباس التلبيس بين الأنام ، ويظهرهم بما يحقّرهم في أعين الخواص والعوام ، فلم يكن لأحد دليل عليهم أو وصول [ بسبب ] إليهم . قال في « لطائف المنن » : « فأولياء اللّه أهل كهف الإيواء ؛ فقليل من يعرفهم » . قال : وقد سمعته يقول ( يعني شيخه أبا العباس المرسي رضي اللّه عنه ) : « معرفة الوليّ أصعب من معرفة اللّه ، فإن اللّه معروف بكماله وجماله ، وحتى متى تعرف مخلوقا مثلك يأكل كما تأكل ، ويشرب كما تشرب ؟ » ثم قال : وإذا أراد اللّه أن يعرّفك بوليّ من أوليائه طوى عنك وجود بشريته ، وأشهدك وجود خصوصيته . وقال صاحب كتاب « أنوار القلوب » « 1 » : « للّه سبحانه وتعالى عباد ضنّ بهم على

--> ( 1 ) كتاب « أنوار القلوب » تركي منظوم ليحيى بن الحاج مصطفى البرسوي نظمه في الخلفاء الراشدين وأهل البيت ، وفرغ في جمادىء الآخرة سنة ثمان وتسعين وثمانمائة ( كشف الظنون 1 / 195 ) .